كثيرًتا ما نستشهد بأقوال الشعراء أو الأدباء أو الكتّاب أو المؤرخين، وهو أمر لا غبار عليه على الإطلاق، لكن ما بات مألوفًا أنه أحيانًا ما يستهد أحدهم بيت شعر لإثبات باطل، أو لتبريره، وهو أمر للأسف بات شائعًا هذه الأيام.
والحقيقة التي يجب أن يكون عليها المسلم، هو أن يستشهد بالقرآن الكريم وفي الحق وفقط، وما ذلك إلا لأن القرآن هو النور الذي يبين الحقائق ويكشفها، ويمنح الناس الثقة واليقين فيما يقال، قال تعالى يؤكد ذلك: «قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ » (المائدة: 15، 16).
موقف مع الحجاج
وفي المشاهد التي قد يقال فيها الشعر لتبرير باطل، ما يروى عن أن شرطة الحجاج بن يوسف الثقفي ألقت القبض على رجل لتهمة أدين بها قريب له، فلما جاء الرجل بين يدي الحجاج، سأل: لماذا ألقي القبض عليّ ولست المتهم، فرد عليه الحجاج بهذه الأبيات: (جانيك من يجني عليك وقد * تُعدي الصِّحاح مبارِك الجُرْب.. ولربَّ مأخوذٍ بذنب عشيرتهِ * ونجا المقارفُ صاحب الذنب).
فما كان من الرجل إلا أن أجاب بالقول: سمعتُ هذا الشعر، ولكني سمعت الله يقول غير ذلك، فأطرق الحجاج وكان حافظًا القرآن الكريم- وقال: ويحك! ماذا يقول الله تعالى؟: فقال الرجل: يقول عز شأنه "ولا تزر وازرةٌ وزرَ أخرى"، وقال الرجل أيضًا: «قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ»، وهنا فزع الحجاج وأمر أن تفك قيوده، وأن يرد إليه ما صودر منه، وأن تبنى داره، وأن ينادى في الناس أن صدق الله وكذب الشاعر.
اقرأ أيضا:
كيف تستعد ارمضان من الآن؟.. تعرف على أهم الطرق والوسائلنعم صدق الله
نعم صدق الله، فهذا القرآن الذي أنزل على قلب خير البشر صلى الله عليه وسلم، إنما جاء لإخراج الأمة من الظلمات إلى النور، قال تعالى : « هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ » (الحديد: 9)، وقال أيضًا سبحانه وتعالى: « رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ » (الطلاق: 11)، فكيف بنا نستشهد بكلام الشعراء وننسى أن كلام هو الصدق الأوفى الذي لا يعوج فيه على الإطلاق؟.
ألم نعلم جميعًا أن هجر القرآن هو السبب الرئيسي في شقاءنا في الدنيا والأخرة، قال تعالى يؤكد ذلك: «وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى » (طه: 124 - 126).