الآن

د. عمرو خالد يكتب: عالج مخاوفك بحسن الظن بالله

اسليدر-د-عمرو
١٨ يناير ٢٠٢٠ - ٠٣:٥٠ م
Advertisements

القلق والخوف من أمراض العصر التي لا يتوقف الحديث عن خطورتها وأثرها على الفرد والمجتمع، وهو واحد من أبرز الأسباب التي تقود البعض إلى التخلص من حياتهم والانتحار يأسًا من تغيير حياتهم للأفضل، وهي أقصى مرحلة من مراحل اليأس لديه، التي يصل معها إلى نقطة اللاعودة.

اظهار أخبار متعلقة



صحيح أنه ليس كل الأمراض النفسية تتعلق بغياب الوازع الديني لدى الإنسان، فقد يكون ملتزمًا
صحيح أنه ليس كل الأمراض النفسية تتعلق بغياب الوازع الديني لدى الإنسان، فقد يكون ملتزمًا
، محافظًا على الصلوات، ومع ذلك يقع ضحية للقلق والاكتئاب، تحت تأثير ظروف وعوامل مختلفة من الضروري عدم إغفالها.


وبشكل عام، فإن الإنسان الذي يمتلك حصانة إيمانية هو أقل عرضة من غيره الذي يسبح في حالة من الفراغ الروحي، وما من شك، أنه كلما توثقت صلة العبد بربه، كلما زاده ذلك يقينًا وأمينًا لا يتزحزح، ينعكس على حالته بشكل عام، في علاقته بمن حوله، وفي رؤيته للحياة.


فالكثير مما يعاني منه الإنسان، إنما هو من نزع الشيطان الذي يخيفه من كل شيء، يجعله مهمومًا حزينًا، لا تكاد الابتسامة تعرف وجهه، ولا التفاؤل يعرف طريقًا إلى قلبه، وهو أقصى ما يتمناه للمرء، أن يعيش على هذه الحالة، فلا يهنأ بحياة، ولا يستمتع بعبادة، ويجعله أسيرًا لمخاوفه طوال الوقت.

 

حسن الظن بالله هو ما يجعل الإنسان ينجو من هواجس الشيطان المخيفة حول المستقبل، لأن الشيطان يكره الإنسان ويرغب دائمًا أن يظل خائفًا من المستقبل، فيظل يلقي المخاوف في قلبه، حتى يصيبه بالحزن واليأس.

 

وكشأن أي إنسان، مررت في محطات من حياتي بحالة من الخوف من المستقبل والقلق، لكني لم أتماد طويلاً فيها، فسرعان ما كنت أعود لنفسي، متسائلاً: "طب وظني بربنا إيه؟".

 

حسن الظن بالله هو ما يجعل الإنسان يمتلك ثقة كبيرة تظهر في طريقة تفكيره وتصرفاته، وتغير نظرته للأجمل، لأنه يعطيه جرعات من التفاؤل اللامحدود، ويحميه من السقوط في أجواء الكآبة والحزن، فكلما أحسنت الظن بربك، كلما كان على قدر ظنك. وهو ما يجعل الإنسان يتوقع الجميل من الله تعالى في كل أوقاته.

 

من تهاجمه المخاوف والأفكار المقلقة عليه أن ينظر إلى حياته كلها، فيرى ما فعل الله سبحانه وتعالى معه فيها

من تهاجمه المخاوف والأفكار المقلقة عليه أن ينظر إلى حياته كلها، فيرى ما فعل الله سبحانه وتعالى معه فيها
، فقصة حياة كل إنسان من الولادة حتى الموت لهي أكبر دليل على أن الله تعالى ما يمنع شيًا إلا ويبدله بما هو خير منه.

 

الإنسان كان لا زال في بطن أمه، وكان كل ما يحصل عليه من رزق هو الدم، فلما خرج من بطن أمه بكى، لأنه فقد مصدر رزقه الوحيد، ولم يكن يدري أن الله يحضر له لبنًا جميلًا خالصًا، وحين فطم بكى، ليفتح الله بعدها عليه أبواب رزق أخرى من طعامين وشرابين، ولما فقد ذلك وهو يموت بكى، فلو كان عمله صالحًا، فتح الله له ثمانية أبواب للجنة يدخل من أيها شاء.

 

الإنسان مطالب في كل شئون حياته، وفي أمور دينه وعبادته أن يأخذ بالأسباب، وهو في ذروة سعيه واجتهاده لتحقيق ذلك لا ينبغي أن يغيب عن وعيه وإدراكه أن كل شيء مرهون بقدرة الخالق، وذلك مرده إلى حسن الظن بالله، والثقة فيه بأنه لن يخيب رجاءه.

 

وهو في ذلك يمتثل لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن نحسن الظن بخالقنا في كل أحوالنا، وكما قال في الحديث الذي رواه عنه أبوهريرة: "يقول الله تعالى: "أنا عند ظن عبدي بي".

 

الإنسان وهو مقبل على الموت يجب عليه أن يحسن الظن بربه، حتى ينجيه الله مما يخاف

الإنسان وهو مقبل على الموت يجب عليه أن يحسن الظن بربه، حتى ينجيه الله مما يخاف
، مهما تعاظمت ذنوبه، فأنت مقبل على العفو الغفور. يقول سهل القطعي - رحمه الله –: "رأيت مالك بن دينار رحمه الله في منامي، فقلت: يا أبا يحيى ليت شعري، ماذا قدمت به على الله عز وجل؟ قال: قدمت بذنوب كثيرة، فمحاها عني حسن الظن بالله".

 

انظر كيف يفعل حسن الظن بالله بصاحبه، يغفر له فيما أخطأ وما ارتكب من معاص وذنوب. يقول جابر بن عبدالله: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته بثلاثة أيام يقول: "لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل".

والنبي صلى الله عليه وسلم حين دخل على شاب وهو في لحظات الموت، قال: "كيف تجدك؟"، قال: والله يا رسول الله إني أرجو الله، وإني أخاف ذنوبي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو وآمَنه مما يخاف".

 

وقصة "وحشي"، قاتل "حمزة" تحمل في طياتها العديد من المعاني والعبر العظيمة في حسن الظن بالله، وأنه على الإنسان مهما بلغ من ذنوب ألا يفقد الثقة في عفو ربه، ما دام قد أقبل عليه تائبًا، نادمًا، مستغفرًا.

 

فقد أخذ "وحشي" يسأل نفسه بعد قتله عم الرسول: هل لي من توبة، هل يغفر الله له ما مضى بدخوله الإسلام؟ فنزلت آية: "إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا".

 

فلما سمع الآية، قال لعلي لا أدخل في المشيئة، فنزلت آية: "إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا".
فلما بلغت وحشي قال: ومن يدريني أني اعمل صالحًا؟ حتى نزلت آية: "قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ"، فقاول وحشي: هذه نعم، ثم ذهب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم معلنًا إسلامه.

 

ومما روي عن الزبير بن العوام أنه قال لابنه عبد الله رضي الله عنهما: "يا بني إن عجزت عن شيء من ديني فاستعن عليه مولاي". قال عبد الله: فو الله ما دريت ما أراد حتى قلت: يا أبت من مولاك؟. قال: الله. قال: فو الله ما وقعت في كربة من دينه إلا قلت: يا مولى الزبير اقض عنه دينه، فيقضيه.


اضافة تعليق
Advertisements