الآن

الأنبياء أكرم الخلق.. فلماذا يمرضون ويصيبهم البلاء؟

الأنبياء أكرم الخلق.. فلماذا يمرضون ويصيبهم البلاء؟
٢٠ ديسمبر ٢٠١٨ - ١٢:٢٩ م
Advertisements

قد يسأل سائل أو يدور في الذهن، أن الأنبياء هم أكرم الخلق على الله، وأكرمهم على الإطلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما الحكمة من أن يصيبهم الله بالمرض والابتلاء.

في البداية لابد أن يوقن المؤمن بأن أفعال الله كلها عدل، وكلماته جميعها صدق، «لا مبدل لكلماته » ، يبتلي عباده كما قال لهم «لننظر كيف تعملون و«ليبلوكم أيكم أحسن عملاً»، «ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم».

وقال المفسرون في قوله تعالى: «من يعمل سوءًا يجز به» إن المسلم يجزى بمصائب الدنيا فتكون له كفارة.

فامتحان الله تعالي للأنبياء بأنواع المحن، زيادة في مكانتهم ورفعة في درجاتهم، وأسباب لاستخراج حالات الصبر والرضى، والشكر والتسليم، والتوكل والتفويض، والدعاء والتضرع منهم، وتأكيد لبصائرهم في رحمة الممتحنين والشفقة على المبتلين، وتذكرة لغيرهم وموعظة لسواهم، ليتأسوا في البلاء بهم، ويتسلوا في المحن بما جرى عليهم، ويقتدوا بهم في الصبر.

ولما سئل رسول الله: أي الناس أشد بلاء؟ قال: الأنبياء، ثم الأمثل، فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه: «ما يزال البلاء بالمؤمن في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله وما عليه خطيئة».
وروي أنس عنه صلى الله عليه وسلم: «إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا. وإذا أراد الله بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة»

ومن حكمة لقمان قال: «يا بني.. الذهب والفضة يختبران بالنار والمؤمن يختبر بالبلاء».

وقد حكي: «أن ابتلاء يعقوب بيوسف كان سببه التفاته في صلاته إليه ويوسف نائم محبة له».

وقيل: «بل اجتمع يومًا هو وابنه يوسف على أكل حمل مشوي وهما يضحكان، وكان لهما جار يتيم فشم ريحه واشتهاه وبكي، وبكت له جدة عجوز لبكائه وبينهما جدار، ولا علم عند يعقوب وابنه، فعوقب يعقوب بالبكاء أسفًا على يوسف إلى أن سالت حدقتاه وابيضت عيناه من الحزن، فلما علم بذلك ظل بقية حياته يأمر مناديًا ينادي على سطحه: ألا من كان مفطرًا فليتغد عند آل يعقوب".

وروي عن الليث  أن سبب بلاء أيوب، أنه دخل مع أهل قريته على ملكهم، فكلموه في ظلمه وأغلظوا له إلا أيوب، فإنه رفق به مخافة على زرعه، فعاقبه الله ببلائه.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «ما رأيت الوجع على أحد أشد منه على رسول الله صلى الله عليه وسلم».

ووضع رجل يده على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «والله ما أطيق أضع يدي عليك من شدة حماك»، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنا معشر الأنبياء يضاعف لنا البلاء.. إن كان النبي ليبتلى بالقمل حتى يقتله، وإن كان النبي ليبتلى بالفقر وإن كانوا ليفرحون بالبلاء كما يفرحون بالرخاء».

وحكمة أخرى أودعها الله في الأمراض لأجسامهم وتعاقب الأوجاع عليها وشدتها عند مماتهم،  لتضعف قوى نفوسهم فيسهل خروجها عند قبضهم، وتخف عليهم موتة النزع، وشدة السكرات بتقدم المرض وضعف الجسم والنفس لذلك، خلاف موت الفجأة وأخذه كما يشاهد من اختلاف أحوال الموتى في الشدة واللين، والصعوبة والسهولة.

وقال صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمن مثل خامة  الزرع تفيئها  الريح هكذا وهكذا» .. ومثل الكافر كمثل الأرزة صماء معتدلة حتى يقصمه الله معناه أن المؤمن مرزأ مصاب بالبلاء والأمراض، راض بتصريفه بين أقدار الله تعالى، لين الجانب برضاه وقلة سخطه كخامة الزرع وانقيادها للرياح، وتمايلها لهبوبها، وترنحها من حيث ما أتتها، فإذا أزاح الله عن المؤمن رياح البلايا واعتدل صحيحًا كما اعتدلت خامة الزرع عند سكون رياح الجو رجع إلى شكر ربه ومعرفة نعمته عليه برفع بلائه منتظرا رحمته وثوابه عليه.

 فإذا كان بهذه السبيل لم يصعب عليه مرض الموت ولا نزوله، ولا اشتدت عليه سكراته ونزعه لعادته بما تقدمه من الآلام، ومعرفة ماله فيها من الأجر وتوطينه نفسه على المصائب ورقتها وضعفها بتوالي المرض أو شدته.

والكافر بخلاف هذا، معاف في غالب حاله، ممتع بصحة جسمه، كالأرزة الصماء حتى إذا أراد الله هلاكه قصمه لحينه على غرة، وأخذه بغتة من غير لطف ولا رفق، فكان موته أشد عليه حسرة، ومقاساة نزعه مع قوة نفسه وصحة جسمه أشد ألما وعذابا ولعذاب الآخرة أشد.

ولهذا ذكر عن السلف «أنهم كانوا يكرهون موت الفجأة».

 وحكمة ثالثة: أن الأمراض نذير الممات، وبقدر شدتها شدة الخوف من نزول الموت، فيستعد من أصابته وعلم تعاهدها له للقاء ربه ويعرض عن دار الدنيا الكثيرة الأنكاد، ويكون قلبه معلقًا بالمعاد، فيتنصل من كل ما يخشى تباعته من قبل الله وقبل العباد، ويؤدي الحقوق إلى أهلها وينظر فيما يحتاج إليه من وصية فيمن يخلفه أو أمر يعهده.

وقد تنصل النبي صلى الله عليه وسلم وهو المغفور له ما تقدم وما تأخر، من ذنبه  في مرضه ممن كان له عليه مال أو حق في بدن.
اضافة تعليق
Advertisements